يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
380
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
القبط عن ذلك فقالوا : إنا كنا إذا أتى وقت مدوده عمدنا إلى جارية من بنات ملوكنا فألقيناها حية في عرضه فيمدّ ، وما لم نفعل فلا يمدّ . فأشفق المسلمون من ذلك ، وكتبوا إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، فكتب عمر كتابا فيه : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، من عبد اللّه أمير المؤمنين إلى نيل مصر ، سلام عليك ، فإنا نحمد اللّه الذي لا إله إلا هو ، أما بعد : فإن كنت تجري بحولك وقوتك فلا حاجة لنا بك ، وإن كنت تجري بحول اللّه وقوته فاجر على بركة اللّه ، والسلام . وكتب إلى عمرو بن العاص وهو يومئذ أمير مصر يأمره أن يلقي كتابه في عرض النيل ففعل ، فمد النيل . وذكر أبو عبيد البكري رحمه اللّه أن مبدأ النيل ومنبعه من تحت جبل القمر ، وراء خط الاستواء ، وإنما سمي جبل القمر لأن القمر لا يطلع عليه ، وهو في الجنوب من الأرض المحترقة التي لا يكون فيها نبات ولا حيوان . يخرج هناك اثنتا عشرة عينا فتجتمع في بحيرتين ، ثم ينبعث منهما ثلاثة أنهار ، أحدها النيل . وذكر أن مسافة جريانه من لدن منبعه إلى مصبه خمسة آلاف ميل وتسعمائة ميل وثلاثون ميلا ، يجري في الخراب غير العمران أربعة أشهر ، وفي بلاد السودان مسيرة شهرين ، وفي بلاد الإسلام مسيرة شهرين . قلت : وهذه الأخبار لا يعلم حقيقتها إلا اللّه تعالى ، والذي صح أن منبعه من السماء كما تقدّم في الحديث . ويحتمل أن ينزل ماؤه من السماء إلى الموضع المذكور . وكذلك الفرات واللّه أعلم . ومن المسعودي : ليس في الدنيا نهر أطول مدا من النيل ، وليس في الدنيا نهر يمد ويزيد في أشد ما يكون من الحر حين تنقص أنهار الدنيا وعيونها غيره ، ولا نهر يزيد بترتيب غيره ، ولا نهر يزرع عليه كما يزرع على النيل ، ولا يجبى من خراج نهر ما يجبى منه . فائدة في قوله تعالى ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ ( 29 ) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ ( 30 ) قال بعض العلماء : لما ذكر اللّه تعالى السابقين المقربين قال : ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ [ الواقعة : 13 ] يعني جماعة كبيرة من الأولين ، وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ [ الواقعة : 14 ] يعني أن المقربين في الآخرين قليل لفضل الصحابة السابقين على من بعدهم . ولمّا ذكر أصحاب اليمين قال : ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ ( 29 ) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ [ الواقعة : 39 - 40 ] أي : إن أصحاب اليمين كثير في الصحابة وغيرهم ليسوا كالمقربين السابقين . ألا تراه يقول : كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ [ المطففين : 18 ] ثم قال :